نبض بريس / مريم الخمليشي

يا صانعَ المجدِ.
لَا أَحَدَ يُمْكِنُ أَنْ يَرَى انْكِسَارَكَ، وَأَنْ يُحِسَّ بِالتَّخَبُّطِ وَالْإِحْبَاطِ الَّذِي يُمَزِّقُ كِيَانَكَ، وَلَا ذَاكَ الْحِمْلَ الثَّقِيلَ الَّذِي يَجْثُو فَوْقَ صَدْرِكَ وَيَقْطَعُ نَفَسَكَ، وَلَا الْوَحْدَةَ الَّتِي تَتَلَثَّمُ بِهَا وَأَنْتَ وَسَطَ جَمْهَرَةٍ مِنْ النَّاسِ، لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْرِجَكَ مِنْ الشَّرْنَقَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَعْرَكَةَ مَعْرَكَتُكَ، وَالطَّرِيقَ طَرِيقُكَ، وَالْوُصُولَ إِلَى الْمُبْتَغَى صَعْبٌ عَسِيرٌ بَعِيدُ الْمَنَالِ، وَيَلْزَمُكَ تَصَبّرٌ وَتَحْمّلٌ.

بَيْدَ أَنَّ مَا أَبْهَجَنِي، أَنَّكَ تَعَلَّمْتَ قَوَاعِدَ النَّجَاحِ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ، فَلَمْ تَتَأَثَّرْ كَثِيرًا بِتَقَلّبِ الدَّهْرِ، لِأَنَّكَ أَدْرَكْتَ أَنَّكَ لَنْ تَتَعَلَّمَ إِنْ لَمْ تَتَأَلَّمْ، وَلَنْ تَنْجَحَ إِنْ لَمْ تَتَجَرَّعْ مَرَارَةَ الْفَشَلِ، وَلَنْ تُصِيبَ الْهَدَفَ مِنَ اَلرَّمْيَةِ الْأُولَى، وَلَنْ تَصِلَ مَا لَمْ تَسْلُكْ الطَّرِيقَ الْمُلْتَوِيَ، فالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ لَا يَصْنَعُ سَائِقًا مَاهِرًا، وَمَا يَأْتِي بِسُهُولَةٍ لَا يَسْتَمِرُّ طَوِيلًا.

وَقَدْ عَرفْتَ قِيمَةَ الْأَيَّامِ الْعَصِيبَةَ الَّتِي مررتَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ عُدْتَ لِحَيَاتِكَ الْعَادِيَّةِ الرَّتِيبَةِ الْمُمِلَّةِ، فَاشْتَقْت إِلَى الْفَتْرَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا أَعْصَابُكَ مُتَوَتِّرَةً، لَا تَنَامُ إِلَّا النّزَرَ الْيَسِيرَ، وَلَا تَأْكُلُ إِلَّا مَا يَسُدُّ رَمَقَكَ، وَعَقْلُكَ يَفُورُ مِنْ كَثْرَةِ التَّفْكِيرِ، وَلَا يُبْصِرُ شَيْئًا سِوَى الْهَدَف، تَتَمَلَّكُكَ طَاقَةٌ رَهِيبَةٌ عَجِيبَةٌ تَجْعَلُكَ تَتَحَمَّلُ الْآلَامَ وَالْمَشَاقَّ بِصَدْرٍ رَحِبٍ وَابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ، لِأَنَّ هَذَا مَا يَنْحَتُ ذَاتَكَ، وَيَجْعَلُكَ تُبْصِرُ أَعْمَاقَهَا، وَيَدْفَعُكَ لِتَصْنَعَ منك نُسْخَةً أَفْضَلَ.

وَمِنْ هُنَا يَا عَزِيزِي أَدْرَكْتَ أَنَّ الْحَيَاةَ جَمِيلَةٌ بِصعابهَا، وَمِحَنِهَا، وَمُنْعَطَفَاتِهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا أَحْسَسْتَ بِمُتْعَتِهَا، وَلَا عَرفْتَ قِيمَةَ مَا تَمْلِكُ وَمَا حَقَّقْتَ، وَلَوْ كَانَ النَّجَاحُ مُمْتِعًا سَهْلًا، وَالتَّأَلُّقُ يَسِيرًا، لَكَانَ كُلُّ النَّاسِ نَاجِحُونَ مُتَأَلِّقُونَ وَلَصَنَعُوا الْمُعْجِزَاتِ، بَيْدَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْكِفَاحِ، وَالتَّضْحِيَةِ، وَالْعَمَلِ وَالْمُثَابَرَةِ وَخَلْقِ الْفُرَصِ مِن اللَّاشَيْءِ، وَكَمَا قُلْتَ لِي يَا عَزِيزِي مَرَّةً: النَّجَاحُ يُصْنَعُ صِنَاعَةً بِالْعَرَقِ وَالدُّمُوعِ، وَلَا يُهْدَى عَلَى قَارِعَةِ الطُّرُقَاتِ.
وَإِنِّي أَرَاكَ تَسْعَى وَأَنْتَ مُتْعبٌ مُرْهقٌ، مُحَطَّم يَائِسٌ مُنْكَسِرٌ، تُلَمْلِمُ شَتَاتَكَ كُلَّ صَبَاحٍ جَدِيدٍ، وَتَمْضِي وَعَلَى شَفَتَيْكَ ابْتِسَامَةُ الْأَمَلِ بِغَدٍ أَفْضَلَ آتٍ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّكَ تَعَلَّمْتَ أَنَّ فِي الْحَرَكَةِ بَرَكَةٌ، وَأَنَّ مَوْسِمَ الْحَصَادِ لَهُ وَقْتُهُ، فَلَنْ تَسْتَعْجِلَ قَطْفَ الثِّمَارِ، وَسَتُجَاهِدُ لِتُحَافِظَ عَلَى قَلْبِكَ سَلِيمًا نَقِيًّا، وَعَلَى رُوحِكَ جَمِيلَةً بَرِيئَةً رُغْمَ الْعَدَاءِ وَالْأَذِيَّةِ، وَتَعُضُّ عَلَى حُلْمِكَ بِالنّوَاجِدِ وَالْأَنْيَابِ، مَهْمَا سُدَّت الْأَبْوَابُ فِي وَجْهِكَ، وَتَجَاهَلُوكَ، وَأَحْبَطُوكَ، وَكَسَرُوكَ، وَسَتَظَلُّ تَمُدُّ يَدَ الْعَوْنِ مَا اسْتَطَعْتَ، وَتَمْضِي دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَ جَزَاءً وَلَا شَكُورًا، لِأَنَّكَ مُتَيَقِّنٌ أَنَّ ما تَقُومُ بِهِ من خَيْرٍ سَيَعُودُ لَكَ أضعافًا مضاعفةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.

فَلَكُمْ أَحبُّ شَغَفَكَ بِالْحَيَاةِ، وَصُمُودَكَ وَمُثَابَرَتَكَ، وَلَكم أُكْبِرُ فِيكَ طُمُوحَكَ الْعَالِي وَسَعْيك الدَّؤُوبَ لِأَجْلِهِ، وَأُجِلُّ فِيكَ أَخْلَاقَكَ ورِفْعَتَك، وَابْتِسَامَتَكَ الَّتِي لَا تُفَارِقُ مُحْيَاكَ، مَهْمَا قَسَتْ عَلَيْكَ الظُّرُوفُ، واهتمامك بعلياءِ الأمُورِ وَتَرَفُّعُكَ عَنْ التَرَّهات وَالسَفَاسِفِ، وَإِنَّمَا الْمَرْءُ تُعْرَفُ قِيمَتُهُ بِمَعْرِفَةِ أَهْدَافِهِ، وَمِنْ الْأفعال الْبَسِيطَةِ الَّتِي يُنْجِزهَا بِرُوحٍ كَبِيرَةٍ، وَإِنِّي أَقُولُ لَكَ عَلَى الدَّرْبِ الصَّحِيحِ أَنْتَ سَائِرُ، وَلَا يُدرِك المَجْدَ المؤثَّلَ إلّا َأَمْثَالُكَ.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا