نبض بريس / مريم الخمليشي

 

يَا مَوْتُ، لِمَ لَا تُخْبِرُنَا أَنَّكَ قَادِمٌ؟ أَلَا تَدْرِي أَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَهْمِسَ بِبَعْضِ الْكَلِمَاتِ لِحَبِيبِنَا الَّذِي سَتَأْخُذُهُ، نُرِيدُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كَمْ نُحِبُّكَ، كَمْ أَنْتَ رَائِعٌ، وَأَنْ نَعُدَّ عَلَى مَسَامِعِهِ حَسَنَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الرَّائِعَةَ، وَكَمْ نَحْنُ مَدِينُونَ لَهُ بِاللَّحَظَاتِ السَّعِيدَةِ الَّتِي عِشْنَاهَا مَعَهُ، وَأَنْ نُوَضّحَ لَهُ بَعْضَ الْأَحْدَاثِ، وَنُبَرِّرَ بَعْضَ الْمَوَاقِفِ، وَنَتَمَعّنَ صَوْتَهُ جَيِّدًا، حَتَّى نَحْفَظَهُ وَلَا نَنْسَاهُ، وَنَتَأَمَّلَ قَسَمَات وَجْهِهِ، وَتَفَاصِيلَهُ الصَّغِيرَةَ، لِتَظَلّ مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَتِنَا، وَنَقُول لَهُ كَلِمَةَ وَدَاعٍ أَخِيرَةً، وَلَكِنَّكَ يَا مَوْتُ لَا تُمْهِلنَا، تَأْتِي فَجْأَةً، وَتَتْرُكُ الْغَصَّةَ فِي حَلْقِنَا، وَنُنْشِئُ عِبَارَاتٍ كَثِيرَةً، نَبْتَدِئُهَا بِلَوْ.. لَوْ.. لَوْ، لَا تُعَاتِبْنَا وَتَلُمنَا رَجَاءً، لَا تَقُلْ لَنَا كَانَ عَلَيْكُم أَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ مَجِيئِي، فَالْحَيَاةُ تَسْرِقُنَا وَتُنْسِينَا، نَنْتَظِرُ دَائِمًا ذَاكَ الْمُسْتَقْبَلَ، فَنُؤَجِّلُ… وَنُؤَجِّلُ إِلَى مِيعَادٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ، وَأَنْتَ أَيْضًا تَأْتِي فِي مِيعَادٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ.

بِمُجَرَّدِ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّكَ أَخَذْتَ مِنَّا حَبِيبًا، نَشْعُرُ بِأَلَمٍ شَدِيدِ الْوَطْأَةِ، بِمَرَارَةٍ لَا تُوصَفُ، بِالشَّمَاتَةِ، بِالنَّدَمِ، لَا نُصَدِّقُ، نَسْأَلُ الْمُخْبِرَ، هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ؟ هَلْ كُنْتَ حَاضِرًا؟ مَنْ أَخْبَرَك؟ نَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مُزْحَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَلِتَكُنْ كَذَلِكَ وَلَنْ نُعَاتِبَ هَذَا الْمَازِحَ الْمُغَفَّلَ، نَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ كَابُوسٍ، وَأَنَّ أَحَدًا مَا سَيُوقِظُنَا لِنَنْهَضَ مَفْزُوعِينَ، وَنَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، وَكَأَنَّنَا أَزَحْنَا جَبَلًا عن صُدُورِنَا، وَلَكِنَّكَ قَدْ خَطَفْتَهُ مِنَّا حَقًّا، كَمْ أَنْتَ مُرٌّ وَمُؤْلِمٌ يَا مَوْتُ!
نَنْظُر إِلَى حَبِيبِنَا الْمُسَجَّى أَمَامَنَا، وَقَدْ أَضْفَيْتَ عَلَيْهِ لَمَسَاتك، فَبَدَا شَاحِبًا، بَارِدًا، جَامِدًا، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ سَاعَاتٍ يَتَحَدَّثُ وَيَضْحَكُ، كَيْفَ حَوَّلَتْهُ هَكَذَا؟ يُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهُ نَائِمٌ وَسَيَسْتَفِيقُ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَيَطْلُبُ مِنَّا مَاءً، وَنَجْلِسُ نَتَحَدَّثُ وَنَتَسَامَرُ وَنَحْتَسي مَعًا شُرْبَةَ شَايٍ، لَكِنْ يُنَبِّهُونَنَا بِأَنَّ وَقْتَ الدَّفْنِ قَدْ حَانَ، وَأَنَّ هَذَا اللِّقَاءَ الْأَخِيرَ بَيْنَنَا، نَطْبَعُ قُبْلَةً عَلَى جَبِينِهِ، وَنَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ الزَّمَنَ يَتَوَقَّفُ لِلَحَظَاتٍ فَقَطْ، حَتَّى نَشْبَعَ مِنْهُ، لَا نَكَادُ نُصَدِّقُ أَنَّ هَذَا الْجَسَدَ وَهَذَا الْوَجْهَ الَّذِي نُحبه، سَيُوَارِيهِ التُّرَابُ، وَلَنْ نَرَاهُ مُجَدَّدًا، وَلَنْ نَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَلَنْ نُعَانِقَهُ.

إِنَّكَ عَجِيبٌ أَيُّهَا الْمَوْتُ، كَيْفَ تَجْمَعُنَا مَرَّةً وَاحِدَةً، نَتْرُكُ أَشْغَالَنَا، أَعْمَالَنَا، أَحْلَامَنَا، كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ ينْتَظِر، وَيؤَجَّلَ، وَنَأْتِي لِنُودِّعَ الْحَبِيبَ الْوَدَاعَ الْأَخِيرَ، لَكِنْ لِمَ لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَخطفه؟! لِمَ لَمْ نَقْضِ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَهُ وَهُوَ حَيٌّ؟
لِأَنَّكَ لَمْ تُخْبِرْنَا يَا مَوْتُ أَنَّكَ سَتَخْتَارُهُ فِي ذَاكَ الْيَوْمِ، وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي سَنَكُونُ فِيهَا مُنْهَمِكِينَ فِي مَتَاهَةِ الْحَيَاةِ.

آه… آه لَوْ أَنَّكَ أَخْبَرْتَنَا، لَوْ أَنَّكَ أَعْطَيْتَنَا وَلَوْ إِشَارَةً بَسِيطَةً، لَكُنَّا- عَلَى الْأَقَلِّ- فِي لِقَائِنَا الْأَخِيرِ مَعَهُ، قَدْ أَمْطَرْنَاهُ قُبلًا حَارَّةً كَثِيرَةً، وَعَانَقْنَاهُ عِنَاقًا دَافِئًا طَوِيلًا، آه لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ سَتَخْطِفُهُ عَلَى غِرَّةٍ مِنَّا، لَقُلْنَا لَهُ كَلَامًا كَثِيرًا، وَلَما أَنْهَيْنَا مَعَهُ تِلْكَ الْمُكَالَمَةَ الْأَخِيرَةَ بِسُرْعَةٍ مُتَعَلِّلِينَ بِأَشْغَالِنَا، وَأَنَّنَا سَنُعِيدُ الِاتِّصَالَ بِهِ فِيمَا بَعْد، وَلَكِنَّنَا لَمْ نَفْعَلْ! وَيَا لَيْتَنَا فَعَلْنَا وَتَحَدَّثْنَا طَوِيلًا!
وَهَا نَحْنُ نَرَاهُ يُغَادِرُنَا إِلَى مَأْواهُ الْأَخِير، فَنَتَسَابَقُ لِنَلْمِسَ نَعْشَهُ، وَنَتَذَكَّرَ مَوَاقِفَ جَمَعَتنا، نَتَذَكَّرُ يَوْمَ قَسَوْنَا عَلَيْهِ، يَوْمَ رَأَيْنَاهُ وَلَمْ نُعِرْهُ اهْتِمَامًا، يَوْمَ قُلْنَا لَهُ كَلَامًا فَظًّا، يَوْمَ صَرَخْنَا عَلَيْهِ، آهْ يَا مَوْتُ مَا أَوْجَعَكَ… مَا أَمَرَّكَ!! آهْ يَا مَوْتُ لَوْ أَنَّنَا نَقْدِرُ أَنْ نَجْعَلَكَ تُمِيتَ نَفْسَكَ لِنَرْتَاحَ مِنْكَ!
أَتَدْرِي مَا تَفْعَلُ بِنَا؟! إِنَّكَ تَفْطِرُ قُلُوبَنَا، تُوقِفُ حَيَاتَنَا، وَكَأَنَّنَا نُصْفَعُ مِنْ الْوَجْنَتَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَأَنَّنَا نَدْخُلُ فِي غَيْبُوبَةٍ، وَكَأَنَّكَ تَغْرِسُ سِكِّينًا حَامِيًا فِي أَحْشَائِنَا وَتُمَزِّقُهَا، لِنَظَلَّ نَنْزِفُ… وَننْزِفُ، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَحَدٌ مِنَّا مُسَاعَدَةَ الْآخَرِ، فَلَا الْمُوَاساةُ توقِفُ النَّزِيفَ، وَلَا الدُّمُوعُ تطفئ لَهِيبِنَا الْمُشْتَعِلَ، وَلَا الصُّرَاخُ يُخلِّصُنَا مِنْ تِلْكَ الْغَصَّةِ الْمُوجِعَةِ. فآهٍ لَوْ كَانَ هُنَاكَ دَوَاءٌ يُسَكِّنُ آلَامَ النَّفْسِ، لَوْ أَنَّ هُنَاكَ حُبُوبًا لِلنِّسْيَانِ، لَوْ أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا مُبَارَكًا يَجْعَلُنَا نَضْحَكُ بَدَلَ الْبُكَاءِ حِينَمَا نَفْقِدُ عَزِيزًا.

وَتَظَلُّ كَذَلِكَ يَا مَوْتُ، تَخْطِفُ أَحْبَابَنَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَتُوجِعنَا، وَمَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ نَتَنَاسَى، يَخْمُدُ اللَّهِيبُ لَكِنَّهُ لَا يَنْطَفِئُ، وَتَنْدَمِلُ الْجِرَاحُ لَكِنَّهَا لَا تُشْفَى، وَلَا يَعُودُ الْقَلْبُ كَمَا كَانَ، بَيْدَ أَنَّنَا نُكْمِلُ الْحَيَاةَ حَامِلِينَ ثِقَل أَحْزَانِهَا وَهُمُومِهَا، مُتَحَدِّينَ إِيَّاكَ، فَنَبْسِمُ مِنْ جَدِيدٍ، وَنَضْحَكُ، وَنَعِيشُ تَفَاصِيلَ الْحَيَاةِ، مُنْتَظِرِينَ دَوْرَنَا، فَأَنْتَ لَا تَنْسَى مِيعَادَ أَحَدٍ، وَإِنْ كُنْتَ تَتَنَاسَى أَنْ تُعْلِمنَا بِمِيعَادِ قُدُومِكَ.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا