نبض بريس / مريم الخمليشي

 

إِذَا اقْتَرَبَ مِنْكَ لِصٌّ لِسَرِقَةِ مَالِكَ، لا شك أَنّكَ سَتَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ بِالصُّرَاخِ وَطَلَبِ النّجْدَةِ وَضَرْبهِ إِنْ اسْتَطَعْتَ، وَهَذِهِ رَدّةُ فِعْلٍ طَبِيعِيّةٍ، بَلْ إِنّكَ سَتَسْتَغْرِبُ كَثِيرًا إِذَا رَأَيْتَ امرءًا مُسْتَسْلِمًا لِلصّ، وَيُقَدِّمُ لَهُ مَالَهُ بِبَسَاطَةٍ، وَلعلّك سَتُعَلِّقُ سَاخِرًا: يَا لَهَذَا الْجَبَانِ!!!

أَمَّا إِذَا رَأَيْتَ شَخْصًا آخَرَ يَرْمِي بِأَمْوَالِهِ فِي الشّارِعِ فَسَتَجْزِمُ أَنّهُ أَخْرَقُ أَحْمَقُ، (وَهَلْ تُرَاكَ سَتَتَرَدَّدُ لَحظةً فِي جَمْعِ الْمَالِ الَّذِي رَمَاهُ؟!) لَكِنْ هَلْ سَبَقَ لَكَ أَنْ سَمِعْتَ عَنْ صَدِيقَيْنِ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنْ يَلْتَقِيَا فِي سَاعَةٍ مُحَدَّدَةٍ، بَيْدَ أَنَّ كلًّا مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ، أَنَّ صَدِيقَهُ سَيَتَأَخَّرُ رُبْعَ سَاعَةٍ عَلَى الْأَقَلّ، فَيَذْهَبَانِ مُتَأَخِّرَيْنِ وَلَا يُعَاتَبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؟!

وَهَلْ سَبَقَ لَكَ أَنْ تَصَادَفْتَ فِي صَبَاحٍ بَاكِرٍ، خَرَجْتَ فِيهِ لِقَضَاءِ مَآرِبِكَ، نِسَاءً أَخَذْنَ أَوْلَادَهُنّ لِلْمَدْرَسَةِ، وَوَقَفْنَ فِي وَسَطِ الطّرِيقِ، تَتَحَدّثْنَ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ عَنْ فُلَانَةٍ اَلَّتِي تَزَوَّجَتْ وَالْأُخْرَى اَلَّتِي تَطَلَّقَتْ، وَعِلَانَة اَلَّتِي اشْتَرَتْ… ثُمّ بَعْدَ ذَلِكَ تَسْمَعُهُنّ يَشْتَكِينَ مِنْ مُرُورِ الْوَقْتِ بِسُرْعَةٍ، وَعَدَمِ قُدْرَتِهِنّ عَلَى إِنْجَازِ بَعْضِ وَاجِباتهنَّ فِي الْيَوْمِ! وَشَبَابٌ آخَرُونَ يَتَعَلَّلُونَ بِضيقِ الْوَقْتِ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْرَؤُونَ وَلَا يُمَارِسُونَ الرّيَاضَةَ وَلَا يُشَارِكُونَ فِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيّةِ، وَمِنْ حَيْثُ لَا يَدْرُونَ يُضَيّعُونَ سَاعَاتٍ طِوال يتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي!

أَتَعْرِفُ مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْعَلَ فِي سَاعَةٍ وَفِي نِصْفِهَا وَفِي الدّقِيقَةِ، أُمُورًا كَثِيرَةً جِدًا، وَمَعَ تَكْرَارِهَا فِي كُلّ مَرّةٍ سَتُثْمِرُ مَا لَمْ نتَوَقّعْهُ يَوْمًا، فَلِمَ لَا نَغْتَنِمُ هَذِهِ الثَّرْوَةَ الْعَظِيمَةَ؟ أَلَيْسَ هُوَ بِضْعٌ مِنَّا، وَنَفَاذُهُ مِنْ أَيْدِينَا يَعْنِي أَنّنَا نَفْقِدُ رَأْسَ مَالِنَا، وَفُرْصَتَنَا لِلتّعَلُّمِ وَالتّطَوّرِ وَالتّغَيّرِ؟ فَلَمَ نَتَعَامَلُ مَعَهُ عَلَى أَنّهُ شَيْءٌ زَائِدٌ تَافِهٌ لَا يَهُمّ؟ وَلَمَ نَتَنَافَسُ فِي ضَيَاعِهِ؟! أَلَا نُدْرِكُ أَنّنَا لَسْنَا بَاقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَأَنّ دَقَائِقَنَا مَعْدودَة وَمَا ضَاعَ مِنْهَا لَا يُعَوّضُ؟! هَلْ تَشْعُرُ الْآنَ مِثْلِي بِتَأْنِيبِ الضّمِيرِ، وَتَتَذَكّرُ سَاعَاتٍ وَأَيَّامًا ضَيّعْتهَا وَنَدِمْتَ عَلَيْهَا؟

لَكِنْ أَتَعْرِفُ أَنّ الْمُشْكِلَةَ الْحَقِيقِيّةَ لَيْسَتْ فِي عَدَمِ إِدْرَاكِنَا لِأَهَمِّيّةِ الْوَقْتِ وَقِيمَتِهِ، وَإِنّمَا فِي الْعَادَاتِ السّيّئَةِ اَلَّتِي تَرَبَّيْنَا عَلَيْهَا وَنَجِدُ صُعُوبَةً فِي تَغْيِيرِهَا، فَالنّفْسُ حِينَمَا تَعْتَادُ عَلَى فِعْلٍ مَا، يُصْبِحُ مِنْ الصّعْبِ تَغْيِيرُهُ، فَكَأَنّكَ تُقَوِّمُ الْحَدِيدَ الْمُعْوَجّ، وَلِتَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَيْكَ أَنْ تُعَرِّضهُ لِدَرَجَةٍ عَالِيَة مِنْ الْحَرَارَةِ، وَكَثِيرٌ مِنَّا لَا يَتَحَمّلُ حَرَارَةَ التّغْيِيرِ، وَيَرْتَاحُ لِمَا أَلِفَته نَفْسُهُ وَاعْتَادَتْهُ، أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ، أَنَّ مُجْتَمَعَنا الْعَرَبِيّ لَا يُقَدّرُ قِيمَةَ الْوَقْتِ فِعْلِيًّا.

فَالْمُوَاصَلَاتُ لَا تَأْتِي فِي وَقْتِهَا، وَالْإِدَارَاتُ لا تَفْتَحُ أبوابَها فِي الْمَوْعِدِ، وَهَلُمَّ جَرًّا… لِلْأَسَفِ لَا نَتَوَقَّفُ عَنْ صَرْفِ وَقْتِنَا بِسَخَاءٍ كَبِيرٍ جِدًّا، بَلْ نُسْهِمُ أَيْضًا فِي تَضْيِيعِ أَوْقَاتِ بَعْضِنَا، وَلَا نُبَالِي فَنَحْنُ مُتَسَامِحُونَ، مُتَسَامِحُونَ جِدًّا مَعَ مَنْ يَسْرِقُ أَوْقَاتَنَا، بَلْ مَعَ مَنْ يَسْرِقنَا، وَلَكِنّنَا لَا نَتَسَامَحُ مَعَ مَنْ يَسْرِقُ لَنَا دُرَيْهِمَات يُمْكِنُ أَنْ تُعَوّضَ، وَنَتَهَكَّمُ مِنَ الّذِي يَهْدِرُ أَمْوَالَهُ عَلَى قَارِعَةِ الطّرِيقِ، وَلَا نَتَهَكّمُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَنَحْنُ نَهْدِرُ أَوْقَاتَنَا!!

مَعَ الْعِلْم أَنّهُ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَسْتَثْمِرَ وَقْتَكَ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَشَدّ الْحَرِيصِينَ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْ غَيْرِ أَنْ تُدْرِكَ سَتَجِدُكَ تُضَيِّعُ سَاعَاتٍ وَأَيَّامًا ثَمِينَةً فِيمَا لَا يَسْتَحِقُّ، سَتَغْلِبُكَ أَحْيَانًا شَهْوَتُكَ وَرَغَبَاتُكَ فِي قَضَاءِ وَقْتٍ طَوِيلٍ فِي الِاسْتِجْمَامِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَالنَّوْمِ، وبِإِعْطَاءِ وَقْتٍ لِأَشْخَاصٍ، وَلِأُمُورٍ تَافِهَةٍ، وَلِقصَصٍ لَنْ تُجْدِيَ نَفْعًا، سَتَكْتَشِفُ فِيمَا بَعْد أَنّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَأَحْيَانًا سَيَتَعَكَّرُ مَزَاجُكَ وَيَضِيعُ يَوْمُكَ فِي اَللَّاشَيْءِ، فَمَاذَا لَوْ كُنْتَ لا مبالٍ وَتَعِيشُ كَمَا اتَّفَقَ؟!

خِتَامًا، تَذَكُّر دَائِمًا يَا عَزِيزِي الْقَارِئ، أَنَّ تِلْكَ الْعَقَارِبَ الَّتِي تَسْمَعُهَا هِيَ خُطُوَاتُكَ لِمُغَادَرَةِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ مَا مَرّ مِنْهَا لَنْ يَعُودَ أَبَدًا، وَيَذْهَب مَعَهَا شَبَابُكَ وَفُرْصَتك لِصِنَاعَةِ مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَلَ، فَحَدِّدْ أَهْدَافَكَ وَاعْمَلْ لِأَجْلِهَا، وَلَا تَتَأَثَّرْ بِالسَّلْبِيَّاتِ الَّتِي مِنْ حَوْلِكَ، ارْسُمْ خُطَّةَ يَوْمِكَ وَشَهْرِكَ وَسَنَوَاتِكَ، وَكُنْ بَخِيلًا بِوَقْتِكَ، فَكِّرْ مَلِيًّا أَيْنَ سَتَصْرِفُهُ، وَمَا هِيَ عَوَائِدُهُ.

أَرْجُو أَلَّا تَنْتَهِي مِنْ قِرَاءَةِ الْمَقَالِ وَتَقُولُ: لَقَدْ ضَيّعْتُ وَقْتِي فِي الْقِرَاءَةِ دُونَ طَائِلٍ. لَكِنِّي يَا عَزِيزِي هَلْ أَجْبَرْتُكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ؟ أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ طَوَاعِيَّةً، فَرَجَاءً لَا تَتَّهِمْنِي بِأَنّي سَارِقَةٌ لِجُزْءٍ مِنْ عُمْرِكَ لِأَنَّهَا تُهْمَةٌ كَبِيرَةٌ… كَبِيرَةٌ جِدًّا وَثَقِيلَةٌ لَا أَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهَا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا