نبض بريس: مريم الخمليشي

“الكتابة ليست ترفًا بل لعنة”، سمعتها من كتّاب كثيرين بعبارة مختلفة ولكنّ المعنى واحد، لكنّي الآن أسألك أنت أيّها الكاتب، هل هذا صحيح؟ وقيل أيضا إنّك لست الذي تختارها، لكنّك تجد نفسك مصابًا بها، تلّح عليك رغبةٌ شديدةٌ في ممارستها، إلهام يلتقي فيه الوعي باللاوعي دون سابق إنذار، فتشعر بتدفق أفكارٍ مبعثرةٍ، تقيّدها على عجل حتى لا تضيع منك، وتترك في قلبك غصّةً، وبمجرد فراغِك منها، تشعر بسعادةٍ كسعادة أمٍّ وضعت مولودها بعد مخاضٍ عسير، على الرغم من أنّها تدرك أنَّ ما ينتظرها من سهرٍ، وتربية، واهتمام، أشقُّ وأعسر، وكذلك أنت، فتلك الأحرف والكلمات التي رصعتها مع بعضها البعض، وأنت مُنْزَوٍ وحدك في جَوْفِ اللّيل المظلم منحنيا على المكتب تحت ضوء خافت، مُفْرِغًا أكواب القهوة، وحولك الكثير من الأوراق المُكَوّرَةِ والمُمَزَقَةِ، كم تحتاج من حذف وإضافة، وإعادة قراءة، وتنقيح وتحبير، لكي تحصل في النهاية على نص يستحق القراءة، وأحيانا قد لا يرضيك ما كتبت وتخلد للنوم متأففا من فشلك! لكنك لا تستسلم أبدا، وتحاول مراتٍ ومراتٍ، فكم الأمرُ شاقٌّ ومُرهقٌ! بَيْدَ أنّك تَسْتلِذُ به، ولذلك تجدني حائرة في أمرك.

قد أفهمك قليلاً من حديثٍ جرى بيننا قبل زمنٍ قصير، أخبرتني فيه أن إحساسَك المرهف يزعجك، يجعلك ترصد التفاصيل الصغيرة، وذاكرتك التي كانت تخونك في حفظ دروس الامتحانات، تجدها الآن تحتفظ بكل مشهد وحوار وحكاية، بل إنك ترى العالم بمنظورٍ مختلفٍ عن الآخرين، فقد تُثِيرُ انتباهك قطةٌ مشردةٌ، تحس بجوعها وألمها، والأكثر من ذلك، تَتَخَيَّلُكَ قطة تجوب الشوارع، وتقف أمام المطاعم راجيةً رأسَ سمكةٍ، أو بقايَا طعامٍ فاسد، وما أن تبدأ بأكله حتى يهجم عليك أطفال يضربونك بالحجارة، تؤلمك هموم الناس وآلامهم، تحزنك صرخاتهم وآهاتهم، تتأمل بصمت هذا العالم القاسي الذي تعجز عن تغييره وداخلك يتآكل، وإن حاولت أن تتقاسم همك مع الآخرين تشعر أنهم لا يفهمونك، أو قد لا ينصتون لك من الأصل، فتلجأ للكتابة، لعلّك بذلك تُلَمْلمُ ذاتك، وتجمع شَتَاتَها آمِلا أن تخلصك من ثقل الواقع، وتعالجك من أمراضه، فتجمع كل ذلك وتحوله إلى عمل إبداعيٍّ، وتقدّمه للناس، دُونَكُمْ اقرؤوه إن شئتم، فيقرؤونه ويعدون الكرّة.

أما أنت فلا تحب أن تقرأه بعد أن تفرغ منه، لأنّك ترصد نواقصك وتنتقد نفسك، ويخبرونك أنّ ما كتبته يمثلهم، ويعبّر عنهم، ويجسد حياتهم، ومعاناتهم، وأنّك تنتشلهم من أحزانهم، وتمدّهم بالقوّة ليصمدوا أمام عواصف الحياة، وتهديهم بدايةً جديدةً، لكنّهم لا يدركون أنّك تعيش كلّ معاناتهم وأحزانهم، يصفقون لك ويمدحون كتابتك فتحدثك نفسك: “أتحسبك قد صرت كاتبًا حقًا؟ أما رأيت الكاتبَ فلان كيف يكتب؟ وإبداع علان؟ فأين أنت من هؤلاء؟” ترى نفسك صغيرًا، وأنّ الطّريقَ أمامك طويلٌ، طويلٌ جدًا، وأنَّ عليك أن تكتبَ، وتكتبَ، وتُسَوّدَ الكثيرَ من الصفحات، وأنت تُفْرِغُ أكواب القهوة والشاي، وتبقى الكتابة، فعلا أشقّ من حمل الفأس والاشتغال في الحقل.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا