نبض بريس: يونس حرفي

يلجأ الكثير من الشباب إلى المقهى يوميا ليس من أجل القهوة وإنما لقتل الفراغ والهروب من الشوارع الباردة، فهناك أنواع كثيرة تزور المقهى بشكل دوري، فالصنف الأول هو الشاب العاطل عن العمل وهو الزبون المخلص للمقهى وصاحبها، حيث يجلس لساعات طويلة لمتابعة مباريات كرة القدم بمختلف دورياتها وللاستفادة ايضا من خاصية “الويفي” المجاني لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو شيء من هذا القبيل.

والصنف الثاني هم الموظفون على سبيل المثال “الأستاذ” يلتقي مع زملائه في العمل لمناقشة هموم الحياة والمشاكل التي يواجهونها داخل الفصل أو خارجه، وفي المقابل نجد الشرطيون يحتسون الشاي على مواضيع تخص الأمن والسلام وبعض الجرائم والحوادث ومغامراتهم مع المجرمين، ولهذه الأحاديث لذة خاصة عندهم، أما بالنسبة للمحامون والقضاة والأطباء فلهم أماكن خاصة فعادة ما يذهبون إلى المقاهي التي تكون خارج المدينة لسبب غير معروف. وهناك نوع فريد وهو الأخير؛ فئة يحبون العزلة وسط الحشود وهم الذين يشربون كوب قهوة وعلى طاولتهم كتاب يأخذهم إلى عالم آخر، أو المتقاعدون الذين يعشقون ملء الشبكة في الجرائد، أو الطالب الذي يحضر لبحثه بعناية ودقة، وهم نادرون.

النادل (ة) أو “السرباي” العامل الذي يتعامل مع جميع الأصناف المذكورة أعلاه، أو بعبارة أخرى “آلة” تجد فن التعامل مع الناس إذ أن الابتسامة قاعدة إجبارية عند الطلب ويقال بعدها ” أش تشرب أسيدي “، ناهيك عن المشاكل الشخصية التي يعاني منها في حياته الخاصة، سواء أكانت مادية أو معنوية. وقبل الحديث عن علاقة رب العمل بالمستخدم سنتعرف على نوع الأجرة التي يستحقها النادل باعتباره أجيرا، وبعض الحقوق التي شرعها المشرع في قانون الشغل والتي تحمي حياته من الضياع.

حيث يحتل قانون الشغل في العصر الحديث أهمية كبيرة، وله ارتباط وثيق بالإنسان، إذ يتطور بتطوره ويتخلف بتخلفه، ونظرا لتقدم الإنسان تدخل المشرع لتنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال والحد من الإستبداد والقمع والتسلط والاستغلال الذي يمارسه فئة من أرباب العمل عن طريق استخدام وسائل لا تحترم الأجير في شخصه كإنسان. ومن المشروط أن يتواجد المستخدم في مكان آمن غير محفوف بالمخاطر كي لا تتعرض صحته للضرر، لذلك من الواجب توفير له كامل الحماية حتى يقوم بالتزاماته بكل راحة وطمأنينة.

ويبقى الأجير مجرد إنسان قد يصاب بالتعب أو وعكة صحية، فالمشرع اهتم بتأمين صحة المستخدم حيث أمر بتوفير له التعويضات والتغطية الصحية والانخراط في صندوق الضمان الاجتماعي، وحدد كذلك مدة العمل القانونية والعطل المقررة للأجير والمؤدى عنها، في حين نجد أعدادا كبيرة من نُدُل المطاعم بعيدين كل البعد عن هذه الحقوق، وفي تصريح ل”نبض بريس” أوضح السيد “ط.ق ” وهو نادل في أحد المقاهي بمدينة” الريش” أن أجرته لا تتجاوز 1800درهم، إذ يبدأ العمل مع الساعة السابعة صباحا حيث يقوم بترتيب الكراسي وكنس المقهى وتلبية طلبات الزبناء، وعند العاشرة ليلا يقوم بجمع الكراسي وغسل الأواني وإفراغ المنافض من باقيا السجائر وتنظيف المرحاض.

ويضيف ذات المتحدث قائلا: “كل هذه المهام وأجرتي لا تتعدى 1800 درهم، وإذا كان رب العمل رحيما معي فيسمح لي ببيع السجائر بالتقسيط كحل ترقيعي لجرحي وأزمتي”. وتجدر الإشارة إلى أن الحلوان “تدويرة” أجر ثانوي غير إلزامي، فما هو إلا بقشيش جرت العادة على إعطائه، فالحلوان هو ما يعطى من غير استحقاق، إلا أن في المجتمع العربي هناك صنفين من الحلوان الأول للنادل “الرجل” وهو شبه منعدم..، والآخر للنادلة “الأنثى” ويكون حسب قيمة جمالها وجسدها ونوع لباسها وطريقة ابتسامتها للزبون.

وفي هذا السياق يقول النادل “ط.ق ” بحرقة، على أنه كان يشتغل لوحده في المقهى وعدد الزبائن محدود بالكاد يكون ركن مهجور، ولأن المجتمع يحب الجمال فكر بتشغيل شابة جميلة معه ليتفاجأ أن المقهى أصبح مكتظا عن آخره، لتصبح النادلة حل تجاري لكل مقهى يعاني من الأزمة.

وتبقى كوكبة عمال المقاهي في حرمان من أبسط الحقوق التي يضمنها لهم قانون الشغل بالمملكة المغربية، فمن المسوؤل عن هذه الممارسات اللامعقولة، هل المشغل أم صمت الأجير أم غياب مراقبة المسؤولين عن هذا القطاع لوضعية العمال.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا