نبض بريس: مريم الخمليشي 

اختيار توجه علمي أو أدبي، هو من أكثر الأمور التي تشكل ضغطا علی التلامیذ في نهاية المرحلة الإعدادية، حيث إنهم يجدون أنفسهم في  مفترق الطرق، وعليهم أن يختاروا واحدا، وبناء عليه سيتحدد مسارهم الدراسي والمهني أيضا.

وهنا دائما ما  يحرص الأهل والأساتذة، على توجيه المتفوقين إلى الشعب العلمية، دون أن يسألوا التلميذ  عن  ما يريد وما يحب، وما ميوله وطموحاته، وكأن النجاح بات رهينا بالهندسة أو الطب أو الفيزياء!. فنتج عن ذلك أن أصبحت التخصصات  العلمية، توسم بالذكاء، والتفوق،  والابتكار، والفهم، والتحليل،  والاستنتاج،  بينما التخصصات الأدبية توسم بالغباء، والتخلف العقلي، والحفظ المُمِلِّ،  والاجترار، والتّكرار،  ثمّ إنّ الغشّ سهل فيها،  ولا يتوقّف الأمر عند ذلك، بل يمتدّ لتُسقطَ  كلّ هذه الصّفات على التّلاميذ أيضا،  ولذلك تجدهم يحاولون قدر المستاع أن يتحاشوا التخصصات الأدبيّة، حتّى وإنْ كانت تَتَوافَقُ مع ميولاتِهم  والعكس مع أصحاب التخصّصات العلميّةِ.

وهذه ليست دعوةً إلى الانكباب على الشعب العلميّة ولا الأدبيّة، إنّما دعوة لكي نعطي فرصة لكل تلميذ  أن يختار ما يريد، وألّا نكثر الحديث عن هذا التّقسيم؛ لأننا حتى لو أعطيناه حرية الاختيار، فإنّ سماعه المتكرّر عن تفضيل المجتمع ككل لتوجه دون غيره،  سيشوش تفكيره وسيؤثّر على اختياره، الذي سيكون نتيجة ضغط مجتمعيٍّ وليس رغبة داخليّة حقيقيّة، فيختار ما سيوسمه بالذّكاء والإبداع،  ويفتحُ أمامه أبواب المستقبل على مصراعيه.

بينما المعادلة ليست كذلك، فالابتكار والإبداع  يأتي من الشغف والرغبة الجامحة لشيء ما، والعلوم الإنسانية والفنون لا تقل أهمية عن العلوم الدقيقة فهي  جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان. بَيْدَ أنَّ هذه النظرة الدونيّة الموحدة اتجاهها في دول العالم الثالث،  لا تشجع على اقتحامها، وبالتالي سنعاني  فقرا فيها، والمجتمع كما يحتاج أن يطوّر الطّب والهندسة، يحتاج أيضا أن يطوّر النّقد، والأدب، والمسرح، والفلسفة، وعلم اجتماع، وعلم النفس، وغيرها من التخصصات التي تدخل في نطاق الأدب والعلوم الإنسانيّة،  كما ينبغي أن يلجها أشخاصٌ متفوقين وشغوفين بها، وليس لأنّهم لم يجدوا بديلاً آخر،  أو لم تتضح لهم رغبات أنفسهم.

هنا نلقي اللّوم على من خلق هذا التقسيم التعسفيّ الذي لا نجد له تبريرا مقنعا،   فالتلاميذ  في هذا السن علينا أن نفتح لهم الأبواب لتعلم أي شيء يريدونه، وبعدها يختاروا التخصص الذي يبتغون أن يكملوا فيه، سواء كان يصب في العلوم الدقيقة أو الإنسانية.

كما علينا أن نشجع المواهب كيف ما كانت، فليس عيبا أن  يحب ابنك الرسم أو الموسيقى أو الكتابة… فمن قال إن العبقرية  تقتصر على مجال أينشتاين أو نيوتن؟. والحقول الإنسانية تحتاج إلى ذكاء ونباهة، وقدرة على الفهم، والتحليل الدقيق،  فضلا عن الشغف والبحث الدؤوب المستمر، وليست أقل تعقيدا  من التخصصات العلمية إن لم نقل أكثر تعقيدا منها.

إن هذا التقسيم يوئد المواهب قبل ولادتها، ويجعل المرء يتبع الركب وما يعتقد أنه يمكن أن يحقق له آفاقا كبيرة، لكن تذكر يا عزيزي القارئ، أن   المرء حينما  يختار شيئا يحبه وله شغف به، فإنه يشتغل عليه بحب وإخلاص،  يصل الليل بالنهار دون تعب أو ملل،  يقدم التضحيات، ويصبر على كل الصعوبات والتحديات التي قد تواجهه ويستمر مهما حدث،  بل إنه رغم كل هذا تجده مستمتعا مستلذا بالمعاناة دون شكوى،  وهذا ما سيخلق لنا إبداعا حقيقيا،  وتفردا منقطع النظير، وهو الذي  سيجعل أمتنا تتقدم.

لكن أن يشتغل المرء فيما لا يحب، ليرضي  الأهل أو  المجتمع، لعمري إنه لكارثة عظمى، وعواقبه وخيمة جدا! وهنا تكمن مسؤولية عدة أطراف، ابتداء من المسؤولين عن قطاع التعليم الذين يجب عليهم الاهتمام بجميع المجالات وتمويلها على قدر ما تحتاج.

وأن يعمل الأهل والأساتذة على اكتشاف مواهب التلاميذ ورغباتهم وينصحوهم وألا يجبروهم على شيء،  كما على الإعلام أن لا يروج ويفضل  تخصصا على حساب آخر،  فضلا عن دور المثقفين والفاعلين الجمعويين في نشر الوعي وتقديم النصيحة.

نافلة القول،  على الجميع أن يتحدّ من أجل أن  يكتشف كل فرد موهبته الدّفينة، ويسخر طاقته ووقته في تنميتها لنجدَ كلّ شخصٍ في مكان يناسبه، يعمل بجد وإخلاص ومتعة لا تنتهي!.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا